La consécration de la gouvernance publique est de nature à contribuer à la réalisation des Objectifs du développeme… https://t.co/CQ0IRxc9CH

Alkhabar الخبر

الاربعاء 13 يونيو 2018

«رقصة الدّيك المذبوح» استعارة بلا طبول

alq

13j297.jpg

■ غير بعيد عن تاريخ هذه السطور كتب أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية توفيق قريرة مقالاً في «القدس العربي» بعنوان: «جيش الطباشير» استعارة بلا غبار، طرافة هذا المقال كامنة في كونه يقف عند أزمة التعليم الثانوي في تونس، وصراع النقابة مع وزارة التربية وقوفاً لسانياً بحتاً، وتحديدا تقصي الاستعارات المستعملة ضمن هذا الخطاب المشحون بين الطرفين. ولئن بسط لنا قريرة أبعاد هذه الحرب اللغويّة، التي تخفي وراءها حرباً ميدانية فعلية، جلست على طاولتها الأطراف المتفاوضة، فإنّ الأمر في اعتقادي بقي معلقاً، لأنّ نتيجة الحرب لم تكن قد حُمست آنذاك، ولا نعلم ما هو مصيرها، ولمن آلت كفة الصراع إن جاز لنا أن نسميه صراعا.
لا يعنينا من متابعة هذا الصراع حتى نهايته إلاّ أبعاده اللغويّة، والحقل الدّلالي المستعمل الذي نكشف من خلاله عن البنى العميقة المسيّرة لتفكير الطرفين، ولهذا أظنّ أن استئناف الكتابة عن هذه الحرب والدخول إلى الورشة المفتوحة التي جهزها قريرة في خصوص الاستعارة، وتخلّلها الخطاب اليومي، يعتبر أمراً جللاً في البحث اللّغوي، فمقال «جيش الطباشير» فتح لنا شهية البحث ودفع بنا إلى متابعة تفاصيل الحادثة بين هذين الطرفين، والتفتيش عن استعارات أخرى يمكن أن نفهم من خلالها الأبعاد والحقائق المسيّرة لمثل هذه الخطابات، فلا ريب في أنّ الحرب الكلامية ستتواصل في ما بعد، وسيتواصل معها توظيف الاستعارات بكل ثقلها الدّلالي المتحكّم في بنية التفكير، فالاستعارة يوم غدت سلاحاً يستعمله المتكلم من أجل الدفاع عن أطروحته.
ها قد انتهت الحرب بين النقابة العامة للتعليم الثانوي ووزارة التربية واستقرّ الوضع. صحيح أنّه لا غبار في المعركة، ولكن وهج التساؤل ظلّ عند البعض قائما، وتواصلت الخطابات المشحونة بين هذا وذاك، ولا شكّ في أنّ الحرب الإعلامية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي كانت فاعلة في كلّ ذلك. انتهت الحرب بتنازل نقابي عنوانه نقابة التعليم الثانوي، أو ربما هو رضوخ اعتبره البعض هزيمة واعتبره البعض الآخر خيارا لا بدّ منه من أجل المصلحة الوطنيّة.
لا يهمنا من كلّ هذا اللغط – وفي هذا الوقت بالذات- إلاّ طائفة الأساتذة وردّ فعلها الكلامي، فهي الطائفة المنهزمة في هذه الحرب لا محالة، جيش الطباشير هذا رغم عدّته وتعداده الكبير، انهزم بقرار كاتبه العام، ولا يهمنا في كلّ ذلك إلاّ سيل الانتقادات الذي صاحب هذا القرار وما أفرزه في ما بعد من قرارات اعتبرها بعض الأستاذة بمثابة «رقصة الدّيك المذبوح»، فقد عثرنا ونحن نتجول في ثنايا صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، على هذا التوصيف الذي أطلقه البعض على الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي، حين قرّر مواصلة الإضراب في بداية السنة الدّراسية المقبلة، حيث تعالت هذه الأيام أصوت نقابية منذرة باستئناف الحرب مع الوزارة في بداية السنة المقبلة، إنذار اعتبره البعض «رقصة ديك مذبوج»، وهو توصيف تستدعيه زمرة الأساتذة من أجل التعبير عن حال مفاوضهم، هو تصوّر استعاري يكشف عن سكرات الموت النقابي الذي يظنّ البعض أنّه يعيد الاعتبار لهم، في حين لا تمثّل شطحاته هذه إلاّ شطحات ما قبل النهاية.
إنّ الرقص الذي يؤديه الدّيك هنا ليس رقصا تحت طبول الانتصار وإيقاع النشوة، وإنّما هو رقص تحت سطوة الألم والخسارة يلفظ فيه الأنفاس الأخيرة ويتخبّط خبط عشواء. إنّ استعارة الديك المذبوح وهو يرقص رقصته الأخيرة ملاذ لغوي، استنجد به أنصار الشق النقابي (الأساتذة) تعبيرا عن فوات الأوان في نظرهم، فالدّيك المذبوح بعد أن يُذبح يقوم بشطحات أخيرة أشبه بالرقص، والرقص هذا ورغم كونه فلسفة جسدية بامتياز، يحدث تحت وقع الطبول والعزف، قد يؤديه البعض معنويا تحت دوافع الألم، وهذا ما يحدث للديك بالضبط. وإن شئنا تفكيك هذه الاستعارة أكثر فيمكننا أن نفهم أنّ المتكلّم (الأساتذة) يستدعي رقصة الدّيك المذبوح في فهم حال نقابتهم، وعلى رأسها الكاتب العام، فهم يرون أنّ أمينهم العام بمثابة الدّيك الذي ذُبح في المعركة السابقة، وأنّ ما يصدره اليوم من قرارات هي مجرّد رقصات تحت دوافع الهزيمة. هزيمة صاحبها تغيير في طبيعة الخطاب، من استعارات الجيش والنضال والشعارات الكبيرة إلى استعارات الهزيمة والضعف والرقص تحت وقْع الألم.
الحاصل أنّ الاستعارة كانت شاهد عيان على هذه الحرب منذ نشوبها فبدأت بجيش الطباشير كما وصفها قريرة، وانتهت في اعتقادنا برقصة الدّيك المذبوح، هي استعارة تسكن البنية الذهنية العميقة للمتكلم وتوفّر له في كلّ السياقات زادا يكفيه رحلة البحث عن ذاته في هذا الوجود، فالاستعارة بمفهوم العرفانيين ليست زخرفاً لغوياً وحسب، وإنّما هي مستوطنة في بنية التفكير بها نفهم العالم من حولنا، نفهمه حين نكون منتصرين كجيش الطباشير ونضاله في وجه الوزارة، ونفهمه حين نكون منهزمين كرقصة الديك المذبوح الذي يتخبّط هزيمةً. والمهم في نظرنا أنّ الاستعارة حاضرة ومساوقة لتفكير الإنسان في كلّ اللّحظات.

٭ باحث تونسي

«رقصة الدّيك المذبوح» استعارة بلا طبول

يوسف رحيمي



المصدر : http://www.alquds.co.uk/?p=954361...