الخميس 27 فبراير 2014

فشل العسكر الجزائري في منطقة الساحل و الصحراء

بودريس درهمان

ليس بقدر ما تستثمر تربح، هذه المعادلة أثبتت صحيتها في مجال السياسة و الاستراتيجيا، لأنه من الممكن ان تستثمر و يربح غيرك، و يمكن لغيرك ان يستثمر و تربح أنت. هذه المعادلة أثبتت صحيتها ما مرة، فمثلا استثمارات الجمهورية الجزائرية في منطقة الساحل و الصحراء، هذه الاستثمارات هي أكثر مما يتوقع و لكن رغم ذلك لم تجني منها الجمهورية الجزائرية غير الفتات، بل هذه الاستثمارات بدأ يتضح مع مستهل سنة 2014 بان المملكة المغربية هي من استفادت مما استثمرته الجمهورية الجزائرية من جهود و أموال في المنطقة المعروفة بدول الساحل و الصحراء و السبب في ذلك يمكن ارجاعه الى الاسباب الثلاثة الاتية:
السبب الاول هو الرفض المبدئي و الغير مبرر للجمهورية الجزائرية لتنسيق السياسات المتبعة في منطقة الساحل و الصحراء مع جارتها المملكة المغربية التي هي الاخرى معنية بهذه المنطقة بشكل حيوي و مباشر، لأن التنسيق يساهم في تحديد الاهداف المشتركة و عقلنة استعمال الموارد المالية و البشرية.
السبب الثاني هو الاستثمار الاحادي من طرف الجمهورية الجزائرية في القوة العسكرية للتهيؤ لمواجهة الكل بما فيهم الجيران الذين تتقاسم معهم الهوية و التاريخ.
اما السبب الثالث فهو الاهمال الكلي للأهداف الانمائية التي حددها المنتظم الأممي في الاهداف الثمانية للألفية الجديدة. الجزائر التي تدعي دائما التمسك بقرارات الامم المتحدة في ما يخص قضية الصحراء، تتخلى عنها حينما يتعلق الامر بتنمية مستوى معيش مواطنيها.
الجمهورية الجزائرية، استثمرت أكثر مما يتصور في منطقة الساحل و الصحراء و رغم ذلك لم تجني إلا الفتات، فحسب الباحثة الامريكية الصاعدة و المتخصصة في منطقة الساحل و الصحراء، السيدة كلير سبنسير claire spencer في مقالها الصادر يوم 25 يوليوز 2012 بمجلة عالم السياسة الصادر باللغة الانجليزية تحت عنوان "“Strategic Posture Review : Algeria”, ترى هذه الباحثة بان الجزائر قامت سنة 2011 بتوجيه 25000 جندي جزائري للاشتغال في منطقة الساحل و الصحراء، كما قامت كذلك قبل هذا التاريخ، أي سنة 2010 ببناء مركز لتنسيق القيادة العسكرية المتخصصة في الاستطلاع بمنطقة تمنراست، بالإضافة الى تأسيس مكتب لتبادل المعلومات الاستخبارية بالعاصمة الجزائر، بالإضافة الى كل هذه المجهودات تقوم كذلك بطلعات يومية عدة بالطائرات تكلف الخزينة الجزائرية الملايين من الدينارات. كل هذه الجهود التي قامت بها الجمهورية الجزائرية توجت سنة 2014 بخروجها من منطقة الساحل و الصحراء بل و تسببت لها في فقدانها لأعصابها مما دفعها الى تقتيل مواطنين صحراويين بمخيمات تندوف، و محاصرة اهاليهم و سط هذه المخيمات عن طريق وضع حواجز رملية تحول دون تنقلهم، بل ذهبت حد اطلاق النار على المواطنين العزل في الحدود المشتركة مع المملكة المغربية.
الجمهورية الجزائرية خرجت بخفي حنين لأنها لم تستطع حتى الاعلان على الرغبة في الانضمام الى تجمع دول الساحل و الصحراء الذي يتكون من أربعة و عشرون دولة و الذي تشكل دوله محيطها الحيوي و المباشر هذا التجمع الذي من بين دوله كل دول شمال افريقيا بما فيها مصر، الاستثناء الوحيد هي دولة الجزائر التي بقيت خارج هذا التجمع.
الجمهورية الجزائرية خرجت بخفي حنين كذلك لأن سكان شمال مالي الازواديين الذين احتضنتهم منذ ستينات القرن الماضي خرجوا عن طوعها و بدؤوا يبحثون لهم عن حلفاء جدد يحققون لهم غدا افضل.
لماذا كل هذه الخسارة السياسية و الاستراتيجية في منطقة الساحل و الصحراء؟ كل هذه الخسارة لأن السياسة الداخلية للجمهورية الجزائرية لم تستطع الخروج عن الخطاطة التي وضعها المستعمر الفرنسي خلال ستينات القرن الماضي و التي تتعلق بتدبير التراب الجزائري من جهة و بتدبير السياسة الداخلية من جهة ثانية هذه السياسة التي بقيت تحت تأثير فظيع لما يمكن تسميته بالنزعة التلمسانية المتعالية التي يدير بها الرئيس بوتفليقة شؤون بلده خصوصا الشؤون المتعلقة بممارسة حق التدبير الترابي من طرف الجزائريين و حق التدبير الثقافي لكل المكونات الثقافية للجمهورية الجزائرية.
خلال ستينات القرن الماضي مارس الاستعمار الفرنسي سياسة ساحلية اتجاه المناطق الجزائرية حيث كان يستثمر في مناطق الشمال الواقعة على ساحل الابيض المتوسط و كان يترك المناطق الجنوبية عرضة للإهمال و التخلف و غاية الاستعمار الفرنسي من هذا النوع من الاستثمار كانت هي التحكم في الموارد المعدنية التي توجد كلها في المناطق الجنوبية. هذه السياسة التمييزية بين مناطق الشمال و مناطق الجنوب لم يتخلى عنها الرئيس بوتفليقة، حيث معظم الذين تم تعيينهم في الشركات المنجمية المتواجدة بالجنوب الجزائري هم من ابناء الشمال.
هذه السياسة التمييزية يؤكدها الباحثان الجزائريان مهدي لزعر و سيدي محمد نهاد في مقالهم تحت عنوان "من اجل جزائر جديدة" المنشور في مجلة "جيوبوليتيك". نشر هذا المقال يوم 8 دجنبر 2013 و يؤكد فيه هذان الباحثان بان الجمهورية الجزائرية تعاني من مشكل اللاتوازن بين مناطقها و يعود سبب هذا اللاتوازن الى السياسة الثقافية المبنية على الافضلية التي تقدمها الدولة الجزائرية للثقافة العربية و الاسلامية. يقول هذان الباحثان بان الرئيس بوتفليقة قام سنة 2011 بتعيين اثنان و عشرون وال كلهم منحدرين من مدينة تلمسان.
هذان الباحثان الجزائريان اللذان ادليا بهذه الملاحظة هما باحثان مشبعان بالإيديولوجية العربية-الاسلامية و رغم ذلك ادلوا بهذه الملاحظة. هذان الباحثان يعتقدان بان العنصر الامازيغي بداخل الدولة الجزائرية لا يشكل إلا خمسة و عشرون في المئة من المكون المهيمن الذي هو المكون العربي الاسلامي.
طرح القضية الهوياتية بداخل دولة الجزائر بهذه الطريقة الاحصائية من طرف الباحثان الجزائريان يعطي الدليل على أن المعطيات الايديولوجية لا زالت تهيمن على المعطيات الواقعية المعقدة في شمال افريقيا. من حسن حظ المملكة المغربية انها أنجزت خريطتها القبلية و نشرتها على شبكة الانترنيت و بتصفحها يمكن لمن اراد أن يطلع على هويته الفردية بدون كذب أو بهتان.