الخميس 14 يونيو 2018

تونس و الأردن و كماشتا صندوق النقد


كمال بالهادي

تمرّ المملكة الأردنية بأزمة سياسية واجتماعيّة خانقة أدت إلى سقوط حكومة هاني الملقي السادسة عشرة منذ تولي الملك عبد الله الثاني الحكم في عام 1999، وصعود حكومة عمر الرزاز السابعة عشرة في ترتيب الحكومات الأردنية أي بمعدّل حكومة كل سنة تقريباً. الأمر لا يختلف في تونس فمنذ سنة 2011، يقع تغيير الحكومات بمعدّل حكومة كل سنة تقريبا، و حكومة يوسف الشاهد تنتظر مصير التوافقات السياسية لتكون القربان الجديد، لإصلاحات صندوق النقد الدولي.
يعتبر عدم الاستقرار السياسي عنوان تفاعل أزمات داخلية عميقة، اجتماعية واقتصادية، يؤدّي تراكم عوامل الغضب الشعبي إلى انفجارها في شكل احتجاجات واعتصامات ومظاهرات ليلية سرعان ما تؤتي أكلها برحيل الحكومة القائمة وتشكيل حكومة جديدة.
رئيس الحكومة الأردنية الجديد، عمر الرزاز تعهد بسحب مشروع قانون الضريبة على الدخل، الذي أجج الاحتجاجات في الأردن، و لكن السؤال الذي يُطرح، ماذا سيحدث غداً، أي بعد سحب المشروع؟ وهل يمكن التمرد على الإصلاحات الاقتصادية التي يفرضها صندوق النقد الدولي، و التي تقوم أساسا على فرض سياسة تقشفية للتحكم في نفقات الدولة، وزيادة الضرائب؟ هل يمكن للأردن أن يحذو حذو الدول التي فرّت من جحيم صندوق النقد الدولي، و يتمرّد على الإملاءات رغم المساعدة المالية الخليجية التي قدمت في مكة المكرمة وتقدر ب 2.5 مليار دولار؟
يبدو الأمر مستبعداً في الظروف الآنية لأنّ هناك عوامل اقتصادية و جيوسياسية ضاغطة تجعل الأردن في وضع لا مفر فيه من الاستجابة لتلك الإملاءات. فسياسات الصندوق واضحة المعايير مع كل الدول التي تلجأ إليه للحصول على القروض. فهو من جهة يتحدث عن الإصلاحات التي قطعتها الحكومات الأردنية على درب إعادة إنعاش الاقتصاد وهو يشيد بتلك المجهودات، ولكن عندما تثور ثائرة الشعوب يلجأ لسياسة البيانات التي يتنصل فيها من فرضه خيارات مجحفة من قبيل رفع الدعم أو زيادة الضرائب. حدث هذا مع الأردن وتونس ودول كثيرة. منذ أيام أصدر الصندوق بيانا حول الأزمة الأردنية وقال فيه إنه لم يوص برفع الدعم عن الخبز، و منذ أيام تنصل الصندوق في بيان يخص تونس من أنه أوصى برفع الدعم عن المواد الأساسية، مع أن الحكومة التونسية تقول إنّ التزاماتها تجاه الصندوق تفرض الرفع التدريجي للدعم عن المحروقات.
وبعد أن يرفع الآمال بخروج هذه الدولة أو تلك من الأزمة الاقتصادية و المالية التي تمرّ بها، يقلب لنا صندوق النقد «ظهر المجنّ» كما يقال، ويظهر في كلمات مقتضبة أن الأوضاع سيّئة، ففي بياناته تتكررّ عبارات من قبيل الصعوبات التي تواجه عملية الإنعاش مثل، ارتفاع قيمة الدين العام و ارتفاع نسب البطالة والتضخم و انهيار قيمة العملة المحليّة.
في الحالتين الأردنية و التونسية هناك فوارق، ولكن هناك قواسم مشتركة، فالبلدان يشتركان في صفة عدم الاستقرار السياسي في المستوى الحكومي، حيث لا يتجاوز معدل عمر الحكومة الواحدة، اثني عشر شهرا. و لكن البلدين يختلفان في الاستقرار على مستوى أعلى هرم السلطة، فإذا عرفت تونس تغييراً في مستوى رئاسة الجمهورية على الأقل في ثلاث مناسبات بعد 2011، إلا أن الملك عبدالله يقود المملكة منذ نحو عقدين. ويتفق الأردن وتونس في وجود نخبة مثقفة ومجتمع مدني قوي، بات يشكّل إحراجا كبيرا للأداء الحكومي ويتصدى بكل قوة للفساد و يدافع عن قيم العدالة و المساواة. وتتشابه الدولتان في وجودهما على جوار براكين أمنية متفجرة، فتونس تجاور ليبيا وتحملت وزر نحو مليون ونصف المليون لاجئ، و الأردن تحمل وزر الأزمة السورية بكل ما لهذه الأزمة من تداعيات إقليمية ودولية، وتحملت كذلك أعباء استقبال نحو مليون ونصف المليون سوري. ولا يختلف البلدان في ندرة الموارد وفي وجود جيش من الشباب المتعلم العاطل عن العمل.
تونس و الأردن ليستا ضحيتي صندوق النقد الدولي وإصلاحاته المرّة فقط، بل هما ضحيتا، الوضع الإقليمي المتفجّر وضحيتا الوضع العربي الراهن الذي يفتقد إلى الحد الأدنى من التضامن، أو من الاستثمار البيني الذي يمكن أن يخلّص أكثر الدول العربية من براثن مؤسسات النهب الدولية.

belhedi18@gmail.com



المصدر : http://www.alkhaleej.ae/Home/GetPage/0138e6e8-a48f...