الخميس 18 أبريل 2013

النزاع حول الصحراء في إطار السياسة الخارجية الأمريكية

محمد زين الدين

محمد زين الدين
محمد زين الدين
على امتداد النزاع حول الصحراء المغربية أبانت الإدارة الأمريكية عن قدر كبير من المساندة لمواقف المغرب. فعلى امتداد مختلف الإدارات الأمريكية سواء الجمهورية أو الديمقراطية ظلت الخارجية الأمريكية تتعاطى بقدر كبير من الموضوعية و الحياد في معالجة هذا النزاع المفتعل خصوصا في عهد إدارة ريغان ليستمر هذا الوضع مع إدارة كلينتون. حيث ما فتئت وزارة الخارجية الأمريكية تشير إلى أن أحسن حل لهذا النزاع يكمن في ضرورة اندماج الصحراء في المملكة المغربية ؛ بالرغم من اعتقاد الأمريكيين بأن تسوية أممية متفق عليها من قبل الجانبين ستكون أقل تكلفة سياسية، حيث ترى أن هذه التسوية سوف تعزز الاستقرار في منطقة المغرب العربي و أيضا في حوض البحر الأبيض المتوسط بصفة عامة مستبعدة تدويل قضية الصحراء من خلال رسم سيناريوهات غير متحكم فيها لكونها ستأتي بنتائج عكسية.  و بالتالي فإنه لن يتم حل وضعية مئات الآلاف من المحتجزين في تندوف  بفرض الرقابة على حقوق الانسان في منطقة الصحراء. كما أنه ليس بفرض آلية للرقابة المستقلة لوضعية حقوق الإنسان في هذه المنطقة سيتم الدفع  بالمد الليبرالي في السياسة و الاقتصاد في المنطقة ؛ بل إن التوجه نحو إقرار حل سياسي عادل و واقعي متوافق عليه هو السبيل الأمثل لحل هذا النزاع.

إن اجتثاث المخاطر التي تهدد غياب الاستقرار في منطقة الساحل و جنوب الصحراء و التي أصبحت تحمل بين طياتها مضاعفات خطيرة على منطقة جنوب أوربا لا تكمن في  تدويل هذا  النزاع، لأن المشكل في حقيقته  يظل مشكلا مغاربيا صرفا ؛ و هو أمر سبق و أن أكدته الخارجية الأمريكية في أزيد من مناسبة. كما أن إنهاء هذا المشكل يفترض توافقا سياسيا إقليميا و ليس إملاءات خارجية ؛ و هنا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن  تستمر في  لعب دورها المركزي في البحث عن تخفيف درجة التوتر بين المغرب و الجزائر دون أن يفضي ذلك إلى التعارض مع الدور الفرنسي في هذا الاتجاه ؛ و يمكننا هنا أن نعود إلى حيثيات  تقرير لجنة شمال إفريقيا بالكونغرس الأمريكي لسنة 1985 حيث أشار واضعوه أنه "بإمكان فرنسا أن تقوم بدور المساعي الحميدة بين أطراف النزاع ؛ و منطقيا فإن الدور الأساسي يرجع إلى فرنسا" مضيفا "أن فرنسا تستطيع القيام بمجهود أكبر لرفع الشكوك و التخفيف من التوتر في شمال إفريقيا".

لكن ما الذي حدث اليوم حتى تحاول الولايات المتحدة الأمريكية الانزياح عن قاعدة الحياد بالدعوة إلى توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل الوضع الحقوقي في منطقة الصحراء المغربية و تندوف و هي تدرك بأن المتضرر الرئيسي من هذا التوجه هو المغرب لكونه سيصبح موضع ابتزاز من قبل الجهات الأجنبية المعادية لوحدته من جهة ؛ و لكون هذا التوجه سيستغله انفصاليو الداخل لإثارة قلاقل غير متحكم فيها داخل هذه المنطقة.

ثمة جانب أساسي يفسر هذا الدعم المطلق الذي تقدمه إدارة الحزب الديمقراطي  لتوجهات روس بشكل يحيلنا إلى نفس المسار الذي اختطته هذه الإدارة حينما دعمت بقوة جيمس بيكر مع وجود متغيرات إقليمية لكن التوجه ظل واحدا ؛ فاليوم عدنا للحديث عن مبدأ المباحثات المباشرة بين المغرب و جبهة البوليساريو و هو توجه نهجه جيمس بيكر بوضوح شديد حينما دعا إلى تنظيم لقاءات مباشرة بين الطرفين ؛ مثلما دعا إلى توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل الوضع الحقوقي.

و إذا كانت القيمة الجيواستراتيجية تظل الثابت المركزي في السياسة الخارجية الأمريكية فإنه في المقابل ثمة متغيرات تطبع هذه السياسة ؛ فالتغيير لا يرجع إلى أهمية المغرب في حد ذاته ؛ و إنما في رؤية الإدارات الأمريكية إلى طبيعة هذه الأهمية ؛ و هنا موضع الاختلاف الجوهري بين الحزبين الجمهوري و الديمقراطي ؛ ففي الوقت الذي يركز فيه الحزب الجمهوري اهتمامه على الاعتبارات الجيوبوليتيكية و الاستراتيجية، حيث تعتبر المغرب من بين الدول التي ينبغي أن تحظى بأهمية قوية لتقوية الروابط معها،  و هنا نستحضر نموذجي إدارة فورد و ريغان، فإنه في المقابل نجد الحزب الديمقراطي تقل عنده هذه الاعتبارات لصالح أولويات أخرى كتعزيز حقوق الإنسان و الديمقراطية ؛ لكن ما ينبغي أن نستحضره هنا هو أن الحفاظ على التوازنات الجيواستراتيجية و التهديدات الإرهابية المتعددة في منطقة الساحل و جنوب الصحراء تحتم على الأمريكيين اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورة تعزيز تلك الروابط المتينة بين المغرب و الولايات المتحدة لأنه ليس هناك تعارض لدى صانعي القرار السياسي في المغرب بين المضي قدما في تعزيز مسار حقوق الانسان في منطقة الصحراء و محاربة مختلف التهديدات التي تواجه منطقة الساحل و جنوب الصحراء و التي تهدد في العمق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية و أوربا على حد سواء.

محمد زين الدين 
أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية
مستشار لدى مركز الدراسات الدولية