Read my Jul 21 Newsletter featuring “L'OCP en Afrique, un acteur incontournable au service de l'agriculture…” https://t.co/KrpTswmWu3

Alkhabar الخبر

الثلاثاء 22 أكتوبر 2013

المغرب ومقاربة المسارَين لنزاع الصحراء الغربية

جاك روسولييه - مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

المغرب ومقاربة المسارَين لنزاع الصحراء الغربية
سعى المغرب طوال مايناهز الثلاثين عاماً إلى تطبيق خطة طموحة لتحقيق التنمية في الصحراء الغربية بمستوى موازٍ لمستوى الإنماء الوطني، وذلك تلبيةً لغاية سياسية تنطلق من الاعتقاد بأن التنمية تولّد قبولاً للحكم المغربي داخل الصحراء الغربية، وموافقة دولية ضمنية على مطالبة المغرب بضم الصحراء الغربية إليه. إلا أن هذا المسار المزدوج في مقاربة قضية الصحراء الغربية، والذي يستهدف بطريقة طموحة التنمية الاقتصادية وتسوية النزاع على السواء، لم يثبت فعاليته. ففي حين أن مسار التنمية الاقتصادية يفترض ضمناً سياسة وطنية متروّية ومتوازنة تهدف إلى تحقيق التطوّر الاقتصادي والبشري، يستند مسار التسوية السياسية حالياً إلى اقتراح لفرض الحكم الذاتي لم يبلغ بعد المرحلة التفاوضية. ولم تَظهر بعد أدلّةٌ تُبيِّن أن هذه المقاربة يمكن أن تقود إلى قبول الحكم المغربي على الصحراء، إذ لم يتبلور حتى الآن أيّ دعم دولي لخطة الحكم الذاتي التي وضعتها الرباط، ولاسيما من قبل الجزائر وجبهة البوليساريو المؤيّدة للاستقلال التي تحظى بالمؤازرة من الجزائر.

في هذا السياق، التزمت الرباط، لأسباب اقتصادية وسياسية على السواء، بإجراء تقييم عميق لسياستها الإنمائية في المنطقة الجنوبية، وذلك عبر النظر إلى الرابط الأساسي بين التنمية والاستقرار والتسوية طويلة الأمد للنزاع في الصحراء الغربية.

وقد وضع المغرب مجموعة واسعة من السياسات والأدوات المؤسسية لتعزيز الاستثمار وتفعيل الأهداف الإنمائية في الصحراء الغربية التي تضم 2.7 في المئة من إجمالي سكّان المغرب، وتساهم في 4 في المئة من إجمالي الناتج القومي المغربي من خلال تعدين الفوسفات، وصيد الأسماك، والسياحة؛ ويبقى الناتج المحلي الإجمالي في الصحراء الغربية أعلى من المعدّل الوطني (مع العلم بأن هذا الرقم ربما كان مضخّماً بسبب الاستثمارات العامة واحتساب معدّلات الرواتب الموزونة في القطاع الحكومي). صحيح أن معدّل الفقر شهد تراجعاً كبيراً - انخفض في الصحراء الغربية بنسبة 17.9 في المئة بين العامَين 1994 و1999، مقارنةً بـ1.9 في المئة في المغرب -  إلا أن مفاعيل هذا التراجع ستنحسر في المدى الطويل جرّاء الارتفاع المتوقّع في معدّل البطالة، والذي يبلغ حوالى ضعف المعدل الوطني (19.6 في المئة مقابل 9.6 في المئة في العام 2006)، ويُعزى ربما إلى حجم التمدّن المرتفع نسبياً في الصحراء الغربية. فضلاً عن ذلك، قد يكون الارتفاع في معدّل البطالة ناجماً عن نزوح الباحثين عن عمل من المناطق الشمالية في المغرب نحو الصحراء الغربية سعياً وراء فرص العمل المتوافرة هناك في قطاع الخدمات. في الإجمال، فإن مؤشر التنمية البشرية في الصحراء المغربية أعلى منه في كل المناطق المغربية الأخرى، ويبقى فوق المعدّل ضمن العالم العربي.

إلا أن نجاح الخطة التنموية في المغرب يتوقّف إلى حد كبير على حجم المردود الذي يمكن أن تحقّقه في السياسة، لناحية دعم الصحراء الغربية للحكم المغربي عليها، وذلك في مقابل الاستثمار العام الذي ستوظّفه هذه الخطة. لقد ظهر نسيج مجتمعي هش، بسبب التمدّن السريع والتفكّك الفجائي للثقافة البدوية في أوساط السكان الذين تجتاحهم الانقسامات الداخلية جرّاء التوزيع المتفاوت، وأحياناً غير المنصف، للمستحقّات الاقتصادية والاجتماعية، والتطلّعات التي تراود المجموعات السكّانية المختلفة (بما في ذلك السكّان الأصليون في الصحراء الغربية، والصحراويون القادمون من خارج الصحراء، والمستوطنون المغاربة، والصحراويون العائدون من مخيمات اللاجئين التي تديرها جبهة البوليساريو في جنوب غرب الجزائر). إضافة إلى ذلك، يشكّل ارتفاع معدّل البطالة بين الشباب المتعلّمين (أعلى بكثير من المعدّل الوطني ومن المعدّل في أوساط خرّيجي الجامعات في المنطقة)، عائقاً أساسياً أمام النمو والوئام الاجتماعي، ويُظهر أن التحصيل العلمي ليس كافياً لمكافحة البطالة، بل إن الحل الأفضل لهذه المشكلة هو في تحقيق النمو المستدام المقرون بالمرونة في سوق العمل. أضف إلى ذلك أنه تترتّب أكلاف بشرية واجتماعية عن البطالة، والتي سرعان ماتجد أصداء لها في المظالم الاقتصادية، والمطالب السياسية، والتشنّجات الإثنية، وخير دليل على ذلك الموجات المفاجئة والمتكرّرة من الاستياء الذي وصل إلى حدّ العنف أحياناً في أوساط الشباب في العامَين 2010 و2011.

لايملك المغرب الإمكانات اللازمة للاستثمار بقوّة في اقتصاد الصحراء الغربية وتقديم الدعم له من أجل وضع حدّ لطموحات السكان السياسية، كما فعلت بعض البلدان الغربية في أراضٍ نائية تابعة لها خارج حدودها؛ ولذلك غالب الظن أن الرباط سوف تسعى إلى تطبيق المقاربة التنموية المناسبة مع توقّعات واقعية بتحقيق مكاسب سياسية في المدى القصير أو الطويل. ولأجل هذه الغاية، تحتاج الرباط إلى خريطة طريق سياسية تتميّز بالصدقية وتحظى بالدعم الدولي، حول مستقبل الصحراء الغربية. بيد أن المعضلة التي يواجهها المغرب هي أن العمل من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي للصحراء الغربية على المستوى الاقتصادي يمكن أن يُسقط الحجج التي يستخدمها مؤيّدو الحكم المغربي على الصحراء للقول بأنه إذا نالت تلك الأراضي استقلالها عن المغرب، فسوف تتحوّل إلى دولة فاشلة تعتمد على الصدقات من الجزائر.

في الوقت نفسه، فإن إطار اللامركزية والجهوية الذي يفرضه الدستور المغربي، والذي لايزال غير واضح المعالم بعد، محفوفٌ بالمخاطر التي يمكن أن تهدّد الوئام الوطني واستقرار النظام المغربي. فهذا الإطار لم يجد بعد رابطاً مفهومياً وبرنامجياً مناسباً مع خطة الحكم الذاتي للصحراء الغربية التي كشفت عنها الرباط في مجلس الأمن الدولي. على خطة المغرب الدستورية لتطبيق اللامركزية والجهوية أن تأخذ في الاعتبار في شكل كامل الحكم الذاتي المستند إلى الانتماءات الإثنية (في الصحراء الغربية كما في منطقة الريف)، وخطر التمرّد، والدور الديني الذي يضطلع به النظام المغربي ويمنحه شرعية على المستوى الوطني، والأبعاد الدولية والإقليمية والسياسية الخاصة بالصحراء الغربية.

سيكون على الصحراء الغربية أن تجد، ضمن حدودها الدولية الراهنة، مكاناً مناسباً في هذه الهندسة التنموية والسياسية والدولية المعقّدة التي أنشأها المغرب من أجل ترسيخ مطالبه ببسط سلطته على الصحراء الغربية وتثبيت إدارته لها. ومع أنه من المنطقي - من منظار تاريخي واجتماعي وتنموي ووطني - أن يُعِدّ المغرب الصحراءَ جزءاً من "الأقاليم الجنوبية" الأوسع جغرافياً، إلا أنه لابد، عاجلاً وليس آجلاً، من أخذ خصوصية الأبعاد القانونية والسياسية الدولية للصحراء الغربية في الاعتبار.

وتزيد العوامل الإقليمية والدولية - مثل المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة مع جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، والسياق الدستوري لسياسة اللامركزية المغربية - من تعقيدات العمل على معالجة الأبعاد التنموية والسياسية بصورة متزامنة. يجب دمج هذه العوامل، إلى جانب الخطة التنموية التي وضعها المغرب، على مستوى الاستشارة والتخطيط، بدءاً من الحفاظ على الحدود الإدارية للصحراء الغربية المعترف بها دولياً، وذلك بحسب الترسيم الموروث من فترة الانتداب الإسباني.

لاتستطيع خطة ناجحة وشاملة للتنمية الاقتصادية ولاترجمتها السياسية التي لم تتبلور بعد (أي من خلال دعم صحراوي واسع للحكم الذاتي)، أن تحجبا أهمّية إطار العمل الخاص بالحق في تقرير المصير، الذي أعادت محكمة العدل الدولية تأكيده قبل نحو 40 عاماً عبر تسليط الضوء على الحاجة إلى استفتاء شعبي حول وضع الصحراء الغربية في المستقبل. يفرض هذا الرأي المرجعي الصادر عن المحكمة استشارة الشعب بشأن أي اتفاق سياسي يمكن أن يتوصّل إليه طرفا النزاع. إلا أن المأزق الراهن في نزاع الصحراء الغربية أدّى إلى تحويل وجهة الهدف من الاستفتاء على تقرير المصير، إلى السعي إلى التوصّل إلى اتفاق سياسي حول الحكم الذاتي، يرى المغرب أنه يجب أن يكون نهائياً في حين ترى جبهة البوليساريو والجزائر أنه ليس سوى إجراء يُفترَض أن يقود إلى استفتاء نهائي على تقرير المصير للاختيار بين الإبقاء على الوضع القائم (الحكم الذاتي) أو إقامة دولة مستقلة. لكن لا القانون الدولي ولا الممارسات التي تعتمدها الدول تستطيع أن تحسم ما إذا كان يجب إحالة مثل هذه التسوية السياسية إلى الاستفتاء الشعبي، سواءً كان خيار إقامة دولة مستقلة مطروحاً أم لا.

لدى المطالب التحريرية الوحدوية أو الانفصالية أو تلك المُنطلِقة من السعي إلى الهيمنة المناطقية، منطقها الخاص الذي تحرّكه الهوية لا الدوافع. تقوم التنمية البشرية والاقتصادية على توسيع الفرص والخيارات. وتماماً كما أنّ للمظالم السياسية والثورة جذوراً اقتصادية، للتنمية أبعادها السياسية. يتحرّك المساران بطريقة مستقلة لكنهما يتقاطعان تكراراً مع تداخلٍ في عملهما ومفاعيلهما. ولذلك، فإن فهم الديناميات الفريدة التي تحرّك كلاً من المسارَين وأوجه التآزر المحتملة بينهما، لايساهم في نشر الاستقرار في الصحراء الغربية وحسب، بل أيضاً في إعادة بثّ الزخم في التنمية الاقتصادية ومعالجة المطالب السياسية بطريقة فعالة.

لايبدو أن المغرب يسعى إلى حكم الصحراء الغربية عن طريق تفويض حضاري وتنموي ورِثه بصورة رسمية، ولا من خلال سياسة تحريرية وحدوية. بل إن واقع الحال هو أن المغرب عمل جاهداً من أجل بلورة نهج حديث في التعبير عن مطالبه التي ترتدي في شكل أساسي طابعاً وجودياً وتاريخياً ينظر إلى الهوية الصحراوية على أنها جزء لايتجزأ من المغرب، وذلك من خلال الشعب الصحراوي والطموحات الأفريقية للدولة المغربية. كلما عمل المغرب أكثر على ترشيد المقاربة المزدوجة المسار ودمجها وعقلنتها بهدف إضفاء شرعية على إدارته للصحراء الغربية والتوصّل إلى تسوية دائمة، أصبح أفضل استعداداً لتثبيت وجوده في المدى الطويل في الصحراء الغربية التي يُعِدُّها موطئ قدمه الطبيعي.