La consécration de la gouvernance publique est de nature à contribuer à la réalisation des Objectifs du développeme… https://t.co/CQ0IRxc9CH

Alkhabar الخبر

الخميس 21 أبريل 2011

الأخلاق الصحفية

عبداللطيف الفراتي

الصحفي متشبع عادة بروح عالية من الفضول، وهمه الوحيد هو الشفافية، هو نقل الخبر الصادق بعد تأكيده من مصادر متعددة ، أو بنسبته إلى أصحابه ، وحتى في هذه الحالة ، فيتوجب عليه غالبا أن يتثبت من صحة الخبر، والإستثناء الوحيد لهذه القاعدة ، عندما يكون الخبر منسوبا إلى مصدره ، فيتم التنصيص على المصدر بوضوح وفي مكان بارز.


الأخلاق الصحفية
ومن بين مئات المهن فإن أعداد معينة ليست بالكثيرة خاضعة لمواثيق أخلاقية ( ETHIQUE ) سواء لحساسيتها، أو لعلاقتها بأسرار الناس أو تأثيرها عليهم في صحتهم أو حريتهم أو حتى حياتهم.

والمهنة الصحفية  هي إحدى المهن الخاضعة إلى ميثاق شرف ارتضاه الصحفيون لأنفسهم، ليس مفروضا عليهم.

لذلك فالمهنة الصحفية التي تسمى  كذلك مهنة المتاعب، لا بد أن يكون العاملون في بلاطها  متحلين بأخلاق عالية مرتبطة بطبيعة مهنتهم وباعتبار الحرف مسؤولية ثقيلة ملقاة على العاتق ، ومن يخرج عن تلك الأخلاق يخرج عن حقيقة وضعه كصحفي حقيقي.

وما أكثر الخارجين عن الأخلاق الصحفية، وما تقتضيه من أمانة. ولكن ذلك لا يشفع لهم ولا يمكن أن ينال من مصداقية الصادقين مع أنفسهم ومع قرائهم أو مشاهديهم أو مستمعيهم ، فيبقون المثل الأعلى في مجتمعاتهم ، وفي مهنتهم ، يعتبرون مراجع  وحتى أيقونات ثابتة على المبادئ السليمة.

والصحفي المتجاوز لأخلاق مهنته ، يفقد سمعته كمؤتمن على ما يصل إليه من أسرار يطلب إليه أو يتطلب منه الأمر أن لا تذاع على الناس، وهو بتجاوزه يفقد ثقة الطرف المقابل، ولكن يفقد أيضا مصدره ، الذي يعيش منه ويزدهر منه.

ومن هنا سنقف عند أمرين :

أولهما، يخص قضية ما أسمي بموقع ويكيليكس ، ولا بد من القول أن المهمة الأولى للصحافة وللصحفي سواء كانت الجريدة ورقية أو مسموعة أو مرئية أو إليكترونية هي الإعلام بشقيه الخبري والتحليلي ، ولذلك يبدو مشروعا  مبدئيا أن يسعى الصحفي مهما كان موقعه وهما كانت وسيلته للجري وراء الخبر ، واقتناصه وتبليغه، تلك هي مهمته الأساسية الأولى، وتبقى الشفافية هي الشرط الأول ويبقى الصدق والنزاهة هما الركيزة .

هذا في المبدأ ، ولكن يبقى العمل الصحفي مسؤولية ثقيلة، إزاء أمرين اثنين أولهما أن لا يتسبب في ضرر لا مباشر ولا غير مباشر لا بالمؤسسات ولا بالمجموعات ولا بالأفراد، ذلك عبء ثقيل ينوء به كاهل الصحفي، الممزق دوما بين ما ينبغي أن يعلن وما ينبغي أن يخفي ، هناك ما يسمى بمقتضيات الدولة ( LA RAISON D’ETAT) ، وهناك المصلحة العامة ، وهناك قاعدة عدم الإضرار بالأفراد   أو تعريض حياتهم للخطر.

كل تلك اعتبارات ينبغي للصحفي أن يكون مؤتمنا عليها بحكم مسؤوليته متى تناهى إليه ما يمكن أن يمس بها.

وفي قضية ويكيليكس  هناك الكثير وإن استجاب إلى الفضول ، وإن دخل في طبيعة العمل الصحفي بناحيتيه الإخبارية والتحليلية ، فإنه بضرره المفترض على الدولة( هنا الدول) ، وربما ضرره على الأشخاص ، وتهديده لحياتهم  فهو يستدعي من الصحفي أن يفكر ألف مرة قبل النشر، ولعل الميزان هنا صعب في الدقة ، ولكن للمرء أن يحكم ضميره، وأن يغلب ( بتشديد وكسر اللام)  المصلحة العامة على الإستجابة لمقتضيات "الغريزة الصحفية".

وثانيهما أن الصحافة الإليكترونية التي برزت أول ما برزت في منتصف التسعينيات ، وازدهرت مع مطلع القرن الواحد والعشرين، فاقت أهمية كل الصحافة الورقية والصحافة السمعية والبصرية منذ عامين سعة انتشار وعظم تأثير .

وفي تونس حيث لا يقرأ الصحافة الورقية إلا ما بين 300 و350 ألفا ، ولا يشاهد التلفزيون إلا أكثر من ذلك العدد بقليل، فإن الفايس بوك يستقطب يوميا مليون و300 ألف ، واليوتوب المغلق قريبا من ذلك الرقم ، وكالة الأنباء الرسمية أكبر مشغل للصحفيين تأتي إليكترونيا بعيدا وراء جريدة الصباح الأوسع انتشارا بين وسائل الإعلام  في تونس على الشبكة العنكبوتية.

إذن فإن الصحافة الإليكترونية  هي اليوم الأكثر تأثيرا باعتبارها الأوسع انتشارا، وهناك صحف ورقية شهيرة لها تاريخ مجيد ، تخلت عن طبعاتها الورقية واقتصرت على الطبعات الإفتراضية، إذن فإن ويكيليكس اعتمدت هذا المدخل وحده، والصحف الورقية والصحافة السمعية البصرية لم تعد سوى ناقلة أو محللة، غير أن الصحافة الإليكترونية وفي حالات كثيرة تشتغل بلا صحفيين محترفين بينهم وبين مواثيق الشرف مسافات طويلة، بل تشتغل وتنشر عن طريق هواة ، وهنا يكمن الخطر، وهنا تنتفي المحددات ، وهنا يغيب منطق الأشياء